ابن كثير

120

البداية والنهاية

عبد مناف لامه ، وكان هشام لبني هاشم واصلا ، وكان ذا شرف في قومه ، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير ، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما ، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبيه ، فدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا ( 1 ) فيفعل به مثل ذلك ، ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ( 2 ) بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب . فقال : يا زهير ، أقد رضيت أن تأكل الطعام ، وتلبس الثياب ، وتنكح النساء ، وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ، ما أجابك إليه أبدا . قال : ويحك يا هشام ! فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها [ حتى أنقضها ] . قال قد وجدت رجلا ، قال من هو ؟ قال : أنا قال له زهير : أبغنا ثالثا ، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له : يا مطعم ، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف ، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه ، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا ، قال : ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ، قال قد وجدت لك ثانيا . قال من ؟ قال أنا ، قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت . قال من هو ؟ قال زهير بن أبي أمية . قال أبغنا رابعا ، فذهب إلى أبي البختري بن هشام ، فقال [ له ] نحو ما قال للمطعم بن عدي ، فقال وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟ قال نعم ! قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك . قال ابغنا خامسا . فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، فكلمه ، وذكر له قرابتهم وحقهم ، فقال له : وهل على هذا الامر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال : نعم ثم سمى القوم . فاتعدوا خطم الحجون ( 3 ) ليلا بأعلا مكة فاجتمعوا هنالك ، وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها . وقال زهير : أنا أبدؤكم ، فأكون أول من يتكلم . فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس . فقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - والله لا تشق . قال : زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابها حين كتبت . قال أبو البختري : صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقر به . قال المطعم بن عدي : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ، ومما كتب فيها . قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك . قال أبو جهل : هذا أمر قد قضي بليل ، تشور فيه بغير هذا المكان ، [ قال ] : وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام

--> ( 1 ) من ابن هشام ، وفي الأصل وبعض نسخ ابن هشام " برا " وقال السهيلي : بزا بالزاي . ( 2 ) من ابن هشام ، وفي الأصل عمرو وهو تحريف . ( 3 ) من ابن هشام وفي الأصل حطم ، والحجون : موضع بأعلى مكة ، وخطمه : مقدمه .